السيد محمد حسين الطهراني
265
معرفة الإمام
الحقّ والدين . فلو كان القصد رفض المُلك من أصله ، لم يُقنعه الجواب في تلك الكسرويَّة وانتحالها بل كان يُحرّض على خروجه عنها بالجملة . وإنّما أراد عمر بالكسرويّة ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك سبله والغفلة عن الله وأجابه معاوية بأنّ القصد بذلك ليس كسرويّة فارس وباطلهم وإنّما قصده بها وجه الله ، فسكت . ويواصل ابن خلدون كلامه إلى أن يقول : فلمّا تدرّجت البداوة والغضاضة إلى نهايتها وجاءت طبيعة الملك التي هي مقتضى العصبيّة كما قلناه وحصل التغلّب والقهر كان حكم ذلك المُلك عندهم حكم ذلك الرَّفَهِ والاستكثار من الأموال فلم يصرفوا ذلك التغلّب في باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحقّ . ولمّا وقعت الفتنة بين عليّ ومعاوية وهي مقتضى العصبيّة كان طريقهم فيها الحقّ والاجتهاد . ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيويّ أو لإيثار باطل أو لاستشعار عقد كما قد يتوهّمه متوهّم وينزع إليه ملحد . « 1 »
--> ( 1 ) - نقل الشيخ محمّد جواد مغنيّة في كتاب « الشيعة في الميزان » ص 285 و 286 ، موضوعاً عن الدكتور طه حسين يدلّ على إنصاف الدكتور واستقصائه في البحث حقّاً . ولمّا كان يقف من حيث الفكر والرأي في النقطة المقابلة لفكر ابن خلدون ورأيه ، لذا من المناسب أن ننقله هنا أيضاً . يقول الشيخ مغنيّة : أخرج الدكتور المجلّد الثاني من كتابه الكبير « الفتنة الكبرى » ، وموضوع هذا المجلّد « عليّ وبنوه » ابتدأه بخلافة الإمام عليّ ، وختمه بمقتل ولده الحسين ، ذكر ما قاله الرسول وأصحاب الرسول في مدح عليّ ، وأنّه كان أهلًا لتلك الفضائل ، ولأكثر منها ، وأنّه على الرغم من الخطوب والمحن التي توالت عليه من كلّ جانب كان يمضي على الحقّ لا يلوي على شيء مهما تكن العاقبة . أمّا أخصام الإمام كعائشة ، ومعاويةٍ ، وابن العاص ، وطلحة ، والزبير ، وغيرهم فقد عارضوه وخاصموه ليصرفوا الأمر عنه إلى أهوائهم وأغراضهم . - وهذه الحقيقة أثبتها الدكتور بالوقائع والأرقام - وإليك هذا المثال على أسلوبه في إثبات الحقائق ، قال : « من الممكن أن يقال : إن معاوية اجتهد للناس فأخطأ أو أصاب ، لكنّه قاتل عليّاً على دم عثمان من جهة ، وعلى أن يردّ الخلافة شورى بين المسلمين من جهة أخرى . فلمّا استقام له السلطان نسي ما قاتل عليه ، أو أعرض عمّا قاتل عليه » أي : بعد أن أصبح معاوية دكتاتوراً لم يتتبّع قتلة عثمان ، وجعل الخلافة كِسرويّة وقيصريّة ، فنقلها إلى ولده الطاغية يزيد بالقهر عن المسلمين . بهذا المنطق السليم حاكم الدكتور جميع القضايا التي تعرّض لها في كتابه . أمّا النتيجة التي انتهى إليها فهي أنّ الذين حاربوا عليّاً ، وكادوا له ، وعارضوه فيما كان يراه من حقّ ، هم وحدهم السبب في محنة الإسلام من ذلك العهد حتى آخر يوم ، وهم وحدهم الذين أورثوا المسلمين عناءً وخلافاً لم ينقضيا ، ولن ينقضيا إلى أن يشاء الله .